الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

29

حاشية المكاسب

لدليل نفي الضّرر على تلك الأدلَّة لا خروجها عن تحت أدلَّة اللَّزوم والحكم بجوازها ويشهد لذلك حكمهم بعدم الخيار فيما إذا علم بالغبن وأقدم على المعاملة استنادا إلى أن الضّرر هناك لم ينشأ من حكم الشّارع باللَّزوم بل من إقدام المكلَّف نفسه وهو غير منفيّ بأدلَّة نفي الضّرر إنّما المنفيّ بأدلَّته كلّ حكم أوقع المكلَّف في الضّرر ولا يخفى عليك أنّ الإقدام لا يتعلَّق بحكم الشّارع باللَّزوم وإنّما يتعلَّق بالمعاملة الغبنيّة فيعلم أن الموقع في الضّرر هي المعاملة الَّتي يكون الإقدام عليها إقداما على الضّرر دون حكم الشّارع باللَّزوم مع أنّ الموجب للوقوع في الضّرر لو كان هو حكم الشّارع باللَّزوم كان تعليل عدم الخيار بالإقدام دورا لأنّ تحقّق الإقدام على الضرر يتوقّف على لزوم المعاملة ولولا اللَّزوم لم يكن الإقدام إقداما على الضّرر بل إقداما على معاملة غبنيّة جائزة والفرض أنّ المعاملة الجائزة لا ضرر فيها فلو توقّف الحكم باللَّزوم على تحقّق الإقدام كان ذلك دورا مصرّحا فيعلم من ذلك أنّ الموجب للضرر هو نفس المعاملة لا لزومها هذا وقد يخطر بالبال طريق أخر لنفي صحّة المعاملة بدليل نفي الضّرر وحاصله أنّ صحّة المعاملة الغبنيّة توجب فوات منافع ما قبل العلم بالغبن للمال المنتقل عن المغبون عنه ولا يجدي في دفع هذا الضرر الخيار والفسخ إذ لا ينتقل ويرجع إليه بالفسخ إلا رقبة ماله من غير المنافع إلا أن يكون الفسخ حلَّا للمعاملة من الأصل وذلك خلاف التّحقيق قوله قدس سره وإن اعترض عليه العلامة بما حاصله أن استرداد بعض أحد العوضين من دون ردّ بعض الآخر ينافي مقتضى المعاوضة لأنّ كلّ جزء من أحد العوضين إذا وقع بإزاء جزء من العوض الآخر كان رجوع جزء من كلّ مستلزما لرجوع ما بإزائه من الآخر فالحكم بالرجوع من جانب دون الآخر يكون خارجا عن حقيقة الفسخ إلا أن يقال إنّ دليل نفي الضرر يثبت سلطنة المغبون على حلّ المعاملة الأولى وربط معاملة جديدة فيما عدا مقدار الغبن وفيه نظر إذ ليس شأن دليل نفي الضرر إلَّا التصرف في الأدلَّة الواقعيّة بما يرتفع به الضّرر فإنّ الضّرورة تقدّر بقدرها وأين من وسع هذا الدّليل إثبات السّلطنة على الربط بعد الحلّ فكان السّلطنة على الرّبط بلا مقتض يقتضيه والتّحقيق أن يقال إنّ دليل نفي الضّرر يقتضي سلطنة المغبون على تغريم الغابن بمقدار ما أضرّه كما يقتضي ذلك آية الاعتداء أيضا فيثبت به اشتغال ذمّة الغابن بالغرامة بلا حلّ للمعاملة فضلا عن ربطها بل ليس له حلّ المعاملة حتّى لو لم يؤدّ الغرامة وإنّما له أن يجبره على الغرامة إن تمكَّن من ذلك وإلا بقي الحق في ذمة الغابن كما في سائر الدّيون فإنّ الدّائن إذا لم يتمكن من استيفاء دينه لا يتسلَّط على حلّ شيء من معاملات أوقعها مع المديون والدّليل على تعيّن احتمال التغريم من بين سائر المحتملات الَّتي من جملتها فساد المعاملة الغبنيّة هو أنّ الجمع بين دليل نفي الضّرر وبين عمومات صحّة المعاملات الشاملة للمقام وبين عمومات لزوم المعاملات يقتضي ذلك فيحكم بصحّة المعاملة ولزومها عملا بالعمومين ثم يحكم باشتغال الذّمة بالغرامة عملا بدليل نفي الضّرر ومعلوم أنّ الجمع بين الأدلَّة مهما أمكن أولى من طرح بعضها وإن لزم من ذلك الجمع ما لزم ما لم يكن على خلاف شيء من الأدلَّة قوله قدس سره ويحتمل أيضا أن يكون نفي اللزوم بتسلَّط المغبون لا وجه لهذا الاحتمال فإنّ بذل الغرامة إن كان دافعا للضّرر لم يبق في دليل نفي الضرر اقتضاء لإثبات الخيار وكان غاية اقتضائه إثبات اشتغال ذمّة الغابن بالتدارك وكان عموم أوفوا بالعقود في اقتضاء اللزوم محفوظا فنتيجة الأخذ بعموم دليل نفي الضرر وعموم دليل صحّة المعاملة وعموم دليل لزومها هو اشتغال ذمّة الغابن بالغرامة ولا وجه لرفع اليد عن شيء من العمومات ما تيسّر الأخذ به ثم إنّ ظاهر العبارة أن اختيار أحد الأمرين من الفسخ والغرامة بيد المغبون إلَّا أنّ صريح ذيل العبارة خلاف ذلك وأنّ الاختيار بيد الغابن إن بذل الغرامة فهو وإلا تخيّر المغبون في فسخ المعاملة فلتحمل هذه العبارة على أنّ المغبون يلزم الغابن بعنوان أحد الأمرين لا بمصداقه فيختار الغابن منهما ما شاء فإن اختار الغرم فهو وإلا فسخ المغبون قوله قدس سره بأنّ الهبة المستقلَّة لا تخرج المعاملة عن الغبن حكم الشارع بلزوم المعاملة الغبنيّة إذا انضمّ إليه حكمه بالهبة يخرج عن كونه حكما ضرريا وإن كان لولا حكمه بالهبة حكما ضرريا فلا حاجة في الفرار عن الإشكال إلى التزام أنّ ذلك بعنوان الغرامة لا هبة مستقلَّة قوله قدس سره فالمتيقّن من ثبوت الخيار له هذا في الاحتمال الثّاني وأمّا الاحتمال الأوّل فلا خيار فيه للمغبون حتّى مع امتناع الغابن من بذل التّفاوت لكن بالنّسبة إلى ما عدا مقدار التّفاوت كما أنّ خياره بالنّسبة إلى مقدار التّفاوت ثابت بذل أم لم يبذل قوله قدس سره وجه الخدشة ما تقدم من احتمال كون المبذول غرامة كما تقدم عدم الحاجة إلى هذا الاحتمال وأن حكم الشّارع بالهبة يخرج حكمه بلزوم المعاملة الغبنيّة عن كونه ضرريّا إذا كان حكمه بالهبة بلحاظ حكمه باللزوم قوله قدس سره ثم إنّ الظَّاهر أن تدارك ضرر المغبون بأحد الاحتمالين المذكورين قد عرفت بطلان الاحتمالين بل عدم معقوليّة الأوّل من الاحتمالين إلا بما أسلفناه وكذلك بطلان ما احتملناه من البطلان وكذلك بطلان ثبوت الخيار وأن نتيجة الأخذ بعموم دليل نفي الضّرر منضما إلى عمومات الصّحة واللَّزوم هو خامس الاحتمالات أعني ثبوت الغرامة فإنّ الحكم بلزوم المعاملة يخرج عن كونه ضرريّا إذا انضمّ إلى الإلزام بالغرامة بل يحكم بتغريم عوض ما استوفاه من منافع مقدار الغبن فإن أدّاه فهو وإلا أجبر عليه ومع عدم إمكان الإجبار يبقى في ذمّته بلا حق للمغبون في فسخ المعاملة نعم لولا عمومات الصّحة واللَّزوم كان مقتضى القاعدة هو البطلان وعلى كلّ حال لم يكن الحكم هو الخيار قوله قدس سره ونقض الغرض ضرر ليس نقض الأغراض الشخصيّة ضررا وإلا لزم ثبوت الخيار في جلّ المعاملات حيث لا يترتّب الغرض منها عليها فيشتري الطعام للأكل ثمّ لا يتيسّر والدواء للانتفاع ثم لا يحتاج إليه أو يعلم بعدم نفعه قوله قدس سره ظاهرة في حرمة الخيانة في المشاورة لم أعرف منشأ هذا الظَّهور فإن كان منشؤه لفظ الاسترسال المفسّر بالطمأنينة إلى الإنسان والثّقة به في الحديث فليس هذا اللَّفظ في رواية ميسر مع أنّ الظَّاهر أنّ لفظ في الحديث ليس قيدا احترازيا وإنّما ذكر مثالا لمتعلَّق الثّقة والغرض مطلق الثّقة بالشّخص فيندرج في ذلك الثقة في الفعل وأنّه لا يخدعه وهذا هو المناسب لمعناه الأصليّ المذكور في كلامه أعني السّكون والثّبات ويشهد به اشتمال الرّواية الأولى أيضا على هذا اللَّفظ مع الاعتراف بملاحظة كلمة سحت بظهورها فيما يشمل المقام مع أنّ الثّقة في الحديث تتحقّق في المعاملات أيضا فيما إذا أخبر البائع بأنّ سلعته تسوى بكذا ومع قطع النّظر عن ذلك كلَّه فظاهر كلام بعض أهل اللَّغة أنّ الغبن الَّذي يكون بمعنى قلة الرأي لازم وقد استعمل في الخبرين متعدّيا ففي المصباح غبن رأيه غبنا من باب تعب قلَّت فطنته وذكاؤه مع أنّ هذا أجنبيّ عن الخيانة في المشاورة فالعمدة في الجواب عن الخبرين هو أن يقال إنّهما ظاهر أن في حرمة الغبن والخدعة بمعناهما المصدري تكليفا وهذا أجنبيّ عن المقصود وهو حرمة أكل الثّمن عند فسخ المغبون للمعاملة قوله قدس سره فهي وإن كانت ظاهرة ظهورها إنّما هو لمكان كلمة سحت الَّتي لا تطلق إلا على الأموال وهذا الظَّهور أقوى من ظهور لفظ الغبن في المعنى الحدثي المصدري بل ومن ظهور لفظ الاسترسال على التفسير المتقدّم فيؤخذ بهذا الظَّهور ويتصرف في لفظ الغبن بإرادة المال المغبون فيه ثم يقيّد بما بعد فسخ المغبون للإجماع على عدم حرمة أكله قبل ذلك ومن ذلك يعلم ثبوت الخيار له وأنت خبير بما فيه من التكلَّف